فخر الدين الرازي

55

تفسير الرازي

( فبشرهم بعذاب أليم ) ومنهم من قال : المراد بالتبشير ههنا الاخبار ، والقول الأول أدخل في التحقيق أما قوله ( ظل وجهه مسودا ) فالمعنى أنه يصير متغيرا تغير مغتم ، ويقال لمن لقى مكروها قد اسود وجه غمار وحزنا ، وأقول إنما جعل اسوداد الوجه كناية عن النعم ، وذلك لان الانسان إذا قوى فرحه انشرح صدره وانبسط روح قلبه من داخل القلب ، ووصل إلى الأطراف ، ولا سيما إلى الوجه لما بينهما من التعلق الشديد ، وإذا وصل الروح إلى ظاهر الوجه أشرق الوجه وتلألأ واستنار ، وأما إذا قوى غم الانسان احتقن الروح في باطن القلب ولم يبق منهم أثر قوى في ظاهر الوجه ، فلا جرم يريد الوجه ويصفر ويسود ويظهر فيه أثر الأرضية والكثافة ، فثبت أن من لوازم الفرح استنارة الوجه وإشرافه ، ومن لوازم الغم كمودة الوجه وغبرته وسواده ، فلهذا السبب جعل بياض الوجه وإشرافه كناية عن الفرج وغبرته وكمودته وسواده كناية عن الغم والحزن والكراهية ، ولهذا المعنى قال ( ظل وجهه مسودا وهو كظيم ) أي ممتلئ غما وحزنا . ثم قال تعالى ( يتوارى من القول من سوء ) أي يتخفى ويتغيب من سوء ما بشر به ، قال المفسرون : كان الرجل في الجاهلية إذا ظهر آثار الطلق بامرأته توارى واختفى عن القوم إلى أن يعلم ما يولد له فإن كان ذكرا ابتهج به ، وإن كان أثنى حزن ولم يظهر للناس أيا ما بدير فيه أنه ماذا يصنع بها ؟ وهو قوله ( أيمسكه على دون أم يدسه في التراب ) والمعنى : أيحسبه ؟ والامساك ههنا بمعنى الحبس كقوله ( أمسك عليك زوجك ) وإنما قال ( أيمسكه ) ذكره بضمير الذكران لان هذا الضمير عائد على ما في قوله ( ما بشر به ) والهون الهوان قال النضر بن شميل يقال إنه أهون عليه هونا وهوانا ، وأهنته هونا وهانا ، وذكرنا هذا في سورة الأنعام عند قوله ( عذاب الهون ) وفى أن هذا الهون صفة من ؟ قولان : الأول : أنه صفة المولودة ، ومعناه أنه يمسكها عن هون منه لها ، والثاني . قال عطاء عن ابن عباس : أنه صفة للأب . ومعناه أنه يمسكها مع الرضا بهوان نفسه وعلى رغم أنفه . ثم قال ( أم يدسه في التراب ) والدس إخفاء الشئ في الشئ . يروى أن العرب كانوا يحفرون حفيرة ويجعلونها فيها حتى تموت ، وروى عن قيس بن عاصم أنه قال : يا رسول الله إني واريت ثماني بنات في الجاهلية فقال عليه السلام أعتق عن كل واحدة منهن رقبة فقال : يا نبي الله إني ذو إبل ، فقال اهد عن كل واحدة منهن هديا وروى أن رجلا قال يا رسول الله : ما أجد حلاوة الاسلام منذ أسلمت ، فقد كانت لي في الجاهلية ابنة فأمرت امرأتي أن تزينها فأخرجتها إلى فانتهيت بها إلى واد بعيد القعر فألقيتها فيه ، فقالت : يا أبت قتلتني ، فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شئ ، فقال عليه السلام ما كان في الجاهلية فقد هدمه الاسلام وما كان في الاسلام يهدمه الاستغفار واعلم أنهم كانوا